17 مايو 2011

خير الناس من نفع الناس .. يالها من حكمة خالدة !





تذكر أمامنا حكم وأقوال مأثورة على الدوام ، قد لاتكون احاديث صحيحة دائماً ، وقد لاتكون قوية الأسانيد ، وقد لاتكون قيلت على لسان شخصية مقدسة ، ولكن انسجامها مع الفطرة يعطيها اكثر من عامل قوة ، ويتيح لها الرسوخ في أذهاننا على مر السنين .
والحقيقة ، ان قصة الأقوال المأثورة والأحاديث هذه وغيرها تم التلاعب بها كثيراً وطويلاً ، حتى عدنا نتشكك غالباً بالكثير من مضامينها ، وبصحة نسبتها الى هذه الشخصية او تلك . فمثلاً ، حاول المعادون لأئمة اهل البيت عليهم السلام صرف الناس عنهم ، عبر نسبة أحاديثهم الى آخرين ، وقد حصل هذا الامر للإمام الحسن بن علي بن ابي طالب عليه السلام اكثر من غيره من الأئمة ، فدرج الكتاب والمتحدثون على ذكر أحاديثه مشيرين اليها ب " قال الحسن " او " عن الحسن " لكي ينصرف الامر الى الحسن البصري المعروف !
ولكن ، ومع ذلك ، يبقى الحديث او القول المأثور حاملاً بطاقته الشخصية وأوراق اعتماده من خلال درجة انسجامه وتواؤمه مع الفطرة النقية .
على كل حال ، من هذه الأحاديث او الأقوال " خير الناس من نفع الناس " ربما كان الحديث نبوياً ، وربما كان لحكيم او فقيه او مثقف ، ولكن الأهم من ذلك انه صحيح تماماً بحساب الفطرة والعقل .
فمن ينفع الناس هو بالتأكيد خيرهم وأفضلهم ليس في الآخرة فقط في حساب الأجر والثواب الالهي ، ولكن في هذه الدنيا ايضاً ، في عيون المحتاجين الى خدماته والمستفيدين من عطائه والمنتفعين بخيره وإحسانه ، وهم في هذا السياق عموم المجتمع ، ولنقل غالبيته ، اي بتعبيرنا المعاصر الجماهير الشعبية او الأغلبية المسحوقة .
واذا كانت هذه الجماهير تعي وعياً مباشراً وملموساً مدى خدمة وعطاء وتجرد انسان ما او مجموعة إنسانية ما ، فلاشك انها تقوم بتتويجهما بتيجان التقدير والتبجيل ، واذا رشح انسان من هذا الطراز نفسه لمنصب رئاسي او نيابي معين فان الناس تحمله على أكتافها الى كرسيه الذي يستحقه بطيب خاطر ، واذا فارق مثل هذا الانسان الدنيا تذرف له الجماهير الدموع مدرارا وان طال الزمن . ومن هنا تجدنا غير قادرين على نسيان عطاء امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام لعموم الناس ، وخاصة الفقراء واليتامى والأرامل والمعوزين ومساواته نفسه الطيبة بهم في المأكل والمشرب والملبس ، وكذلك فعل ابناؤه الكرام وأحفاده الأبرار جميعاً ، فمن منا ينسى طواف الامام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام على بيوت الفقراء كل ليلة متنكراً وحاملاً على ظهره الشريف مايمكنه من متاع وطعام لإعانتهم على قسوة الحياة ، حتى افتقدوه بعد استشهاده ، وعرفت هوية من كان يغيث لهفة الملهوف منهم بعد ملاحظة اثر الحمل الثقيل على ظهر الامام زين العابدين عند تغسيل جثمانه الطاهر .
تدور هذه الخواطر وغيرها في خيالي ، عندما اتابع تكالب المتسلطين على السلطة والحكم القمعي حتى بعد رفض الجماهير لهم . فلو كان هؤلاء يدركون قيمة خدمة الناس لتيقنوا من انها هي طريقهم الوحيد نحو الإمساك بقلوب الناس قبل حكمهم .
ومع ان العبر تتوالى امام أعيننا ، لكن يبدو ان لا احد من بقية الحكام المتسلطين ( وفيهم محسوبون علينا ايضاً ) يريد الاستفادة من أية عبرة ، والذي نراه حاصلاً أمامنا هو تنكر هؤلاء للناس وإلحاقهم الأضرار بهم عوضاً عن تقديم الخير لهم ، ولذلك لايمكن لنا وصفهم الا بشرِّ الناس واكثرهم سوءاً، ولابد من إسقاطهم ، ان لم يكن غداً فبعد غد .
الخلاصة ان الوحيد الذي يحق له الإحساس بالأمن والأمان من غضبة الناس هو من نفع الناس فحسب ، فهو خير الناس الذي يستحق احتضانه في قلوبهم واسكانه في احداق عيونهم ووضعه كتاج مكرم على رؤوسهم ، ومن عداه ليس له الا مزبلة التاريخ التي امتلأت عن آخرها بالنفايات المتساقطة !